ابن الجوزي

89

صيد الخاطر

ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي وكان كافرا ، وقال لسعد : لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ، فالوقوف مع الأسباب مع نسيان المسبب غلط ، وكل هذه الظلمات انما تقع بمصباح العلم ، ولقد ضل من مشى في ظلمة الجهل أو في زقاق الهوى . 42 - الملائكة والبشر ما أزال أتعجب ممن يرى تفضيل الملائكة على الأنبياء والأولياء . فإن كان التفضيل بالصور ، فصورة الآدمي أعجب من ذوي أجنحة ، وان تركت صورة الآدمي لأجل أوساخها المنوطة بها فالصورة ليست الآدمي ، انما هي قالب . ثم قد استحسن منها ما يستقبح في العادة ، مثل خلوف فم الصائم ، ودم الشهداء ، والنوم في الصلاة ، فبقيت صورة معمورة ، وصار الحكم للمعنى . ألهم مرتبة يحبهم « 1 » ، أو فضيلة يباهي بهم وكيف دار الامر فقد سجدوا لنا . وهو صريح في تفضيلنا عليهم ، فان كانت الفضيلة بالعلم فقد علمت القصة ، يوم « لا عِلْمَ لَنا » * « يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ » . وان فضلت الملائكة بجوهرية ذواتهم فجوهرية أرواحنا من ذلك الجنس ، وعلينا أثقال أعباء الجسم ، باللّه لولا احتياج الراكب إلى الناقة فهو يتوقف لطلب علفها ويرفق في السير بها لطرق أرض منى قبل العشر « 2 » . وا عجبا أتفضل الملائكة بكثرة التعبد ! فما ثمّ صعاد « 3 » ، أو يتعجب من الماء إذا جرى ، أو من منحدر يسرع ؟ انما العجب من مصاعد ؟ بلى قد يتصور منهم الخلاف ، ودعوى الإلهيّة . لقدرتهم على دك الصخور ، وشق الأرض لذلك توعدوا : « وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ » ، لكنهم يعلمون عقوبة الحق فيحذرونه . فأما بعدنا عن المعرفة الحقيقية وضعف يقيننا بالناهي ، وغلبة شهوتنا مع الغفلة ، يحتاج إلى جهاد أعظم من جهادهم ، تاللّه لو ابتلي أحد المقربين بما ابتلينا به ، لم يقدر على التماسك ، يصبح أحدنا وخطاب الشرع يقول له : اكسب لعائلتك ، واحذر في كسبك . وقد تمكن منه ما ليس من فعله ، كحب الأهل ، وعلوق الولد بنياط القلب ، واحتياج بدنه

--> ( 1 ) كذا في الأصل . ( 2 ) أي قبل عشر ذي الحجة . ( 3 ) لم أجد « صعاد » بمعنى « صعود » وهي في بعض النسخ « صاد » ويستقيم بها المعنى ، ولكن يأتي بعدها « مصاعد » فلا تخلو الجملة في الحالين من اضطراب لعله من تحريفات النساخ .